فضائل الصلاة في الإسلام
قال الشيخ الإمام أبو حامد الغزالي رحمه الله:
الحمد لله الذي عمَّ العبادَ بمخافته، وعمَّ قلوبهم بأنوار الدين ووظائفه، المنزَّلة من عرش الجلال إلى السماء الدنيا، من درجات الرحمة وأسمى عواطفه.
فارق الملوك بالتفرد بالجلال والكبرياء، بترغيب الخلق في السواك والدعاء:
هل من داعٍ فأستجيب له؟ وهل من مستغفرٍ فأغفر له؟
وباين السلاطين بفتح الباب ورفع الحجاب، فرخَّص للعباد بالمناجاة في الصلوات، كيفما تقلبت بهم الأحوال، في الجماعات والخلوات.
ولم يقتصر على الرخصة، بل تلطف بالترغيب والدعوة.
وغيرُه من ضعفاء الملوك لا يسمح بالخلوة إلا بعد تقديم الهدية والرشوة.
فسبحانه ما أعظم شأنه، وأقوى سلطانه، وأتم لطفه، وأعم إحسانه.
والصلاة والسلام على محمد ﷺ نبيه المصطفى، ووليه المجتبى، وعلى آله وأصحابه مفاتيح الدجى، وسلم تسليمًا كثيرًا.
أما بعد:
فإن الصلاة عماد الدين، وعِصام المتقين، وأفضل القربات، وغُرَّة الطاعات.
وإذا استقصينا في فن الفقه، في بسيط المذهب ووسيطه ووجيزه، أصولَها وفروعَها، صارفين كمال العناية إلى تفاريعها النادرة ووقائعها الشاذة.
ونحن الآن مقتصرون على ما لا بدَّ للمريد من معرفته، من ظواهرها وأسرارها الباطنة، وكاشفون من دقائق معانيها الخفية، في معاني الخشوع والإخلاص والنية، ما لم تجرِ العادة بذكره في فن الفقه.
وقد رتّبنا الكلام على سبعة أبواب.
فضائل الصلاة في الإسلام
أبواب المقال
- فضائل الصلوات
- تفضيل الأعمال الظاهرة من الصلاة
- تفضيل الأعمال الباطنة
- الإمامة والقدوة
- صلاة الجمعة وآدابها
- مسائل متفرقة تعم بها البلوى
- التطوعات
الباب الاول في فصائل الصلوات والجماعه والسجود والاذان وغيرها.
فضيلة الاذان
قال رسول الله ﷺ:
“ثلاثةٌ يومَ القيامة على كثيبٍ من مسكٍ أسود، لا يهمُّهم حسابٌ ولا ينالهم فزعٌ فيما بين الناس: رجلٌ قرأ القرآن ابتغاء وجه الله عز وجل، وأمَّ بهم وهم به راضون، ورجلٌ أذَّن في مسجدٍ ودعا إلى الله ابتغاء وجه الله سبحانه وتعالى، ورجلٌ ابتُلي في الدنيا فلم يشغله ذلك عن عمل الآخرة.“
وقال ﷺ:
“لا يسمع صوتَ مؤذِّنٍ جنٌّ ولا إنسٌ ولا شيءٌ إلا شهد له يوم القيامة.”
وقال ﷺ:
“يدُ الله على رأس المؤذِّن حتى يفرغ من أذانه.”
وقيل في تفسير قوله تعالى:
“ومن أحسن قولًا ممن دعا إلى الله”
إنها نزلت في المؤذنين.
وقال ﷺ:
“إذا سمعتم النداء فقولوا مثل ما يقول المؤذِّن”، وذلك مستحب، إلا في الحيعلتين؛ فإنه يقول في الأولى: لا حول ولا قوة إلا بالله، وفي الثانية كذلك.
وعند قوله: “قد قامت الصلاة” يقول:
“أقامها الله وأدامها ما دامت السماوات والأرض”،
وفي التثويب يقول: “صدقت”،
وعند فراغ المؤذِّن يقول:
“اللهم ربَّ هذه الدعوة التامة، والصلاة القائمة، آتِ محمدًا الوسيلة والفضيلة، وابعثه مقامًا محمودًا الذي وعدته.”
وقال سعيد بن المسيب:
من صلّى بأرضٍ فلاة، عن يمينه مَلَكٌ وعن شماله مَلَك، فإذا أذَّن وأقام صلّى وراءه أمثالُ الجبال من الملائكة.
فضل الصلاة المكتوبة
قال الله عز وجل:
“إن الصلاة كانت على المؤمنين كتابًا موقوتًا.”
وقال رسول الله ﷺ:
“خمس صلوات كتبهن الله على العباد، فمن جاء بهن لم يضيّع منهن شيئًا، إحقاقًا بحقهن، كان له عهدٌ عند الله عز وجل أن يدخله الجنة، ومن لم يأتِ بهن فليس له عند الله عهد، إن شاء عذّبه وإن شاء أدخله الجنة.”
وقال ﷺ:
“مثل الصلوات الخمس كمثل نهرٍ عذبٍ غَمْرٍ بباب أحدكم، يغتسل فيه كل يوم خمس مرات، هل يبقى من درنه شيء؟”
قالوا: لا شيء.
قال ﷺ:
“فإن الصلوات المكتوبات الخمس تذهب بالذنوب كما يذهب الماء الدرن.”
وقال ﷺ:
“بيننا وبين المنافقين شهود العتمة والصبح، لا يستطيعونهما.”
وقال ﷺ:
“من لقي الله عز وجل وهو مضيّع الصلاة لم يعبأ الله بشيء من حسناته.”
وقال ﷺ:
“الصلاة عماد الدين، فمن تركها فقد هدم الدين.”
وسُئل ﷺ:
“أيُّ الأعمال أفضل؟”
فقال:
“الصلاة لوقتها.”
وقال ﷺ:
“من حافظ على الصلوات الخمس كانت له نورًا وبرهانًا ونجاةً يوم القيامة، ومن ضيّعها حُشر مع فرعون وهامان.”
وقال ﷺ:
“مفتاح الجنة الصلاة.”
وقال ﷺ:
“ما أحبَّ شيءٌ إلى الله عز وجل بعد التوحيد أحبَّ إليه من الصلاة، ولو كان شيءٌ أحبَّ إليه منها لتعبَّد به ملائكته؛ فمنهم راكع وساجد وقائم وقاعد.”
وقال ﷺ:
“من ترك صلاةً متعمّدًا فقد كفر”
أي قارب أن ينخلع من الإيمان، لانخلاع عُروته وسقوط عماده.
وقال ﷺ:
“من ترك صلاةً متعمّدًا فقد برئت منه ذمّة محمد ﷺ.”
وقال ﷺ:
“يا أبا هريرة، مُرْ أهلك بالصلاة، فإن الله يأتيك بالرزق من حيث لا تحتسب.”
وقال أبو هريرة رضي الله عنه:
من توضأ عامدًا للصلاة، فإنه في صلاة ما كان يعمد إلى الصلاة، ويُكتب له بإحدى خطوتيه حسنة، ويُمحى عنه بالأخرى سيئة.
فإذا سمع أحدكم الإقامة فلا يَسْعَ؛ فإن أعظمكم أجرًا أبعدكم دارًا.
قالوا: لِمَ يا أبا هريرة؟
قال: من أجل كثرة الخطى.
ويُروى أن أول ما يُحاسَب عليه العبد يوم القيامة الصلاة، فإن وُجدت تامة قُبلت وسائر عمله، وإن وُجدت ناقصة رُدّت عليه وسائر عمله.
وقال بعض العلماء:
مثل المصلي مثل التاجر، لا يحصل له الربح حتى يستوفي رأس المال، وكذلك المصلي لا تُقبل له نافلة حتى يؤدي الفريضة.
وكان أبو بكر الصديق رضي الله عنه يقول:
إذا حضرت الصلاة فقوموا إلى ناركم التي أوقدتموها فأطفئوها.
فضل إتمام الأركان
قال رسول الله ﷺ:
“مثل الصلاة المكتوبة كمثل الميزان، من أوفى استوفى.”
وقال ﷺ:
“لا ينظر الله عز وجل يوم القيامة إلى عبدٍ لا يقيم صلبه بين ركوعه وسجوده.”
وقال يزيد الرقاشي:
كانت صلاة رسول الله ﷺ …
وقال ﷺ:
“إن الرجلين من أمتي ليقومان إلى الصلاة، وركوعهما وسجودهما واحد، وإن ما بين صلاتيهما كما بين السماء والأرض.”
إشارةً إلى الخشوع.
وقال ﷺ:
“أما يخاف الذي يحوِّل وجهه في الصلاة أن يحوِّل الله وجهه وجهَ حمار؟”
وقال ﷺ:
“من صلى الصلاة لوقتها، وأسبغ وضوءها، وأتم ركوعها وسجودها وخشوعها، عرجت وهي بيضاء مسفرة، تقول: حفظك الله كما حفظتني.
ومن صلى لغير وقتها، ولم يُسبغ وضوءها، ولم يُتم ركوعها وسجودها ولا خشوعها، عرجت وهي سوداء مظلمة، تقول: ضيعتني ضيّعك الله، حتى إذا بلغت حيث شاء الله لُفَّت كما يُلف الثوب الخَلِق، فيُضرب بها وجهه.”
وقال ﷺ:
“أسوأ الناس سرقةً من سرق من صلاته.”
وقال عبد الله بن مسعود وسلمان الفارسي رضي الله عنهما:
الصلاة بمكيال، فمن أوفى وُفِّي له، ومن طفَّف فقد علم ما قال الله عز وجل في المطففين.
فضل الجماعة
قال رسول الله ﷺ:
“صلاة الجماعة تفضل صلاة الفرد بسبعٍ وعشرين درجة.”
وروى أبو هريرة رضي الله عنه أن النبي ﷺ فقد ناسًا في بعض الصلوات، فقال:
“لقد هممتُ أن آمر رجلًا يصلي بالناس، ثم أخالف إلى رجالٍ يتخلفون عنها، فآمر بحزمٍ من حطبٍ فتحرَّق عليهم بيوتهم، ولو علم أحدهم أنه يجد عظمًا سمينًا لشهدها.”
يعني صلاة العشاء.
وقال رضي الله عنه:
“من شهد العشاء فكأنما قام نصف الليل، ومن شهد الصبح فكأنما قام الليل كله.”
وقال ﷺ:
“من صلى صلاةً في جماعة…” (ويُستكمل النص حسب الرواية الصحيحة)
وقال سعيد بن المسيب:
ما أذَّن مؤذِّن منذ عشرين سنة إلا وأنا في المسجد.
وقال محمد بن واسع:
ما أشتهي من الدنيا إلا ثلاثًا:
أخًا إن اعوججتُ قوَّمني، وقوتًا من الرزق عفوًا بغير تبعة، وصلاةً في جماعةٍ تُذهب عني سهوها ويُكتب لي فضلها.
ورُوي أن أبو عبيدة بن الجراح رضي الله عنه أمَّ قومًا مرة، فلما انصرف قال:
ما زال الشيطان بي حتى رأيت أني أفضل منهم، فلا أؤمُّهم أبدًا.
وقال الحسن البصري:
لا تصلوا خلف رجلٍ لا يختلف إلى العلماء.
وقال إبراهيم النخعي:
مثل الذي يؤم الناس بغير علم، كمثل الذي يكيل الماء في البحر، لا يدري زيادته من نقصانه.
وقال حاتم الأصم:
فاتتني الجماعة، فعزاني أبو إسحاق البخاري وحده، ولو مات لي ولد لعزاني أكثر من عشرة آلاف؛ لأن مصيبة الدين أهون عند الناس من مصيبة الدنيا.
وقال عبد الله بن عباس رضي الله عنهما:
من سمع المنادي ثم لم يُجب، فلا خير فيه، أو لا يُراد به خير.
وقال أبو هريرة رضي الله عنه:
لأن تُملأ أذنُ ابن آدم دماً خيرٌ له من أن يسمع النداء فلا يجيبه.
ويُروى أن ميمون بن مهران أتى المسجد، فقيل له: إن الناس قد انصرفوا، فقال:
إنا لله، لفضل هذه الصلاة أحبُّ إليَّ من ولاية العراق.
وقال ﷺ:
“من صلى أربعين يومًا في جماعة، لا تفوته تكبيرة الإحرام، كُتبت له براءتان: براءة من النفاق، وبراءة من النار.”
ويُقال:
إذا كان يوم القيامة حُشر قومٌ وجوههم كالكوكب الدري، فتقول لهم الملائكة: ما أعمالكم؟
فيقولون: كنا إذا سمعنا الأذان قمنا إلى الطهارة لا يشغلنا عنها شيء.
ثم يُحشر قوم وجوههم كالأقمار، فيقولون: كنا نُبادر الوقت.
ثم يُحشر قوم وجوههم كالشموس، فيقولون: كنا نسمع الأذان ونحن في المسجد.
ورُوي أن السلف كانوا يعزُّون أنفسهم ثلاثة أيام إذا فاتهم التكبير الأول، ويعزُّون سبعًا إذا فاتتهم الجماعة.
فضل السجود

قال رسول الله ﷺ:
“ما تقرّب عبدٌ إلى الله عز وجل بشيءٍ أفضل من سجودٍ خفي.”
وقال ﷺ:
“ما من مسلمٍ يسجد لله عز وجل سجدةً إلا رفعه الله بها درجة، وحطَّ عنه بها خطيئة.”
ورُوي أن رجلًا قال لرسول الله ﷺ:
ادعُ الله أن يجعلني من أهل شفاعتك، ويرزقني مرافقتك في الجنة.
فقال ﷺ:
“أعنّي على نفسك بكثرة السجود.”
وقال ﷺ:
“أقرب ما يكون العبد إلى الله عز وجل وهو ساجد.”
وقال تعالى:
“واسجد واقترب.”
وقال تعالى:
“سيماهم في وجوههم من أثر السجود.”
وقيل: هو نور الخشوع، فإنه يشرق من الباطن على الظاهر، وهو الأصح.
وقيل: هي الغُرَّة التي تكون في وجوههم يوم القيامة من أثر الوضوء.
وقال ﷺ:
“إذا قرأ ابن آدم السجدة فسجد، اعتزل الشيطان يبكي، يقول: يا ويلاه! أُمر ابن آدم بالسجود فسجد فله الجنة، وأُمرتُ بالسجود فعصيتُ فلي النار.”
ورُوي عن علي بن عبد الله بن عباس أنه كان يسجد في كل يومٍ ألف سجدة، فكانوا يسمّونه: السجّاد.
ويُروى أن عمر بن عبد العزيز كان لا يسجد إلا على التراب.
وقال يوسف بن أسباط:
يا معشر الشباب، بادروا إلى الهمة قبل الفتور، فما بقي أحدٌ أحسده إلا رجلٌ يتمّ ركوعه وسجوده، فقد حيل بيني وبين ذلك.
وقال سعيد بن جبير:
ما أُنسى عليَّ شيءٌ من الدنيا إلا السجود.
وقال عقبة بن مسلم:
ما من خصلةٍ في العبد أحبُّ إلى الله عز وجل من رجلٍ يحب لقاء الله عز وجل، فما من ساعةٍ يكون العبد فيها أقرب إلى الله عز وجل من ساعةٍ يخرّ فيها ساجدًا.
وقال أبو هريرة رضي الله عنه:
“أقرب ما يكون العبد من ربه وهو ساجد، فأكثروا الدعاء.”