google-site-verification=ki7U2nxrPUTCZ3EFncr8SrtusE1rq8sjCMYnSpP9oOY
موقع يهتم بالمرأة العربية وعواطفها وتحدياتها وأحلامها وشريك حياتها

كتاب عبقرية عمر للعقاد: لماذا يُعد من أعظم الكتب عن عمر بن الخطاب؟

0 40

كتاب عبقرية عمر للعقاد

يفتتح عباس محمود العقاد كتابه بالتأكيد على أن عظمة عمر بن الخطاب لم تكن وليدة الصدفة، بل كانت ثمرة اجتماع شخصية استثنائية مع رسالة عظيمة هي الإسلام. ويستشهد بقول النبي ﷺ: «لم أر عبقريًا يفري فريه»، ليبين أن الرسول أدرك منذ وقت مبكر القدرات الفريدة التي يتمتع بها عمر، وأنه سيكون من أعظم رجال الأمة.

ويرى العقاد أن القائد العظيم لا يكتفي بامتلاك القوة، بل يمتلك أيضًا القدرة على إحياء طاقات الشعوب، واكتشاف الرجال المناسبين للمواقف المناسبة. وقد اجتمعت هاتان الصفتان في الدعوة الإسلامية وفي شخصية النبي ﷺ، الذي عرف مكانة عمر وأدرك دوره المستقبلي.

ويؤكد أن عمر، رغم قوته الفطرية وشخصيته الحازمة، ربما ظل زعيمًا لقبيلته فقط لو لم يدخل الإسلام. فقد كانت لديه صفات القيادة، لكن الإسلام هو الذي منحها الهدف والرسالة، فانتقل من قائد محلي إلى شخصية غيّرت مجرى التاريخ.

كما يوضح أن عمر لم يكن طالب سلطة أو جاه، بل كان بطبيعته يميل إلى العدل واحترام الحقوق، وكانت شدته موجَّهة دائمًا لخدمة الحق لا لتحقيق مصالحه الشخصية. لذلك أصبحت قوته بعد إسلامه وسيلة لنصرة الدين وإقامة العدل.

ثم ينتقل العقاد إلى بيان حكمة النبي ﷺ في توزيع الأدوار بين كبار الصحابة، فيوضح أن اختيار أبي بكر للخلافة لم يكن انتقاصًا من عمر، بل لأن لكل منهما طبيعة تناسب مرحلة معينة. فقد كان أبو بكر أصلح لمرحلة تثبيت الدولة بالحلم والرفق، بينما جاء دور عمر عندما احتاجت الدولة إلى الحزم والقوة واتساع الفتوحات.

ويشير إلى أن تحمل المسؤولية كان يجعل كلاً من أبي بكر وعمر يتجاوز طبعه الشخصي؛ فقد يظهر اللين من عمر عند الحاجة، كما قد يظهر الحزم من أبي بكر إذا اقتضى الموقف ذلك، وهو ما ظهر بوضوح في قضية حروب الردة.

ويختتم العقاد هذه المقدمة بالتأكيد على أن عبقرية عمر لم تكن في الشدة وحدها، وإنما في قدرته الفريدة على الابتكار والإدارة واتخاذ القرار في الوقت المناسب، حتى أصبح من أكثر الشخصيات التي ارتبط اسمها بالإنجازات والأوليات في تاريخ الدولة الإسلامية، ولذلك استحق وصف النبي ﷺ بأنه عبقري لا يجاريه أحد في براعته.

كتاب عبقرية عمر للعقاد

يرى عباس محمود العقاد أن عبقرية عمر بن الخطاب لم تكن نتيجة أعماله العظيمة فقط، بل كانت كامنة في تكوينه وشخصيته منذ البداية. فقد وُلد بصفات استثنائية جعلته مؤهلًا للقيادة وتحمل المسؤولية، حتى قبل أن يتولى أي منصب أو يحقق أي إنجاز.

ويصف العقاد عمر بأنه رجل يفرض احترامه وهيبته على كل من يراه. فلم تكن هيبته نابعة من المظهر أو السلطة، وإنما من قوة شخصيته وثباته وحضوره المؤثر. وقد وردت مواقف عديدة تدل على ذلك، حتى إن النبي ﷺ أخبره بأن الشيطان يفر منه، وكان الصحابة يهابونه ويقدرون مكانته.

ويؤكد الكاتب أن هذه الهيبة لم تمنع عمر من أن يكون متواضعًا وعادلًا، بل كانت وسيلة لحماية الحق وردع الظالمين. وكان الناس يطمئنون إليه عندما يعرفون عدله، فتتحول رهبتهم منه إلى ثقة ومحبة.

ثم ينتقل العقاد إلى وصف صفات عمر الجسدية، فيذكر أنه كان طويل القامة، قوي البنية، شديد التحمل، يجمع بين القوة البدنية والصلابة النفسية، وكان صوته وهيئته يبعثان على الاحترام. ويرى أن هذه الصفات كانت تنسجم مع شخصيته القيادية.

ويستعرض بعد ذلك آراء بعض العلماء الذين حاولوا تفسير العبقرية من خلال الصفات الفطرية، ويشير إلى أن كثيرًا من هذه العلامات كانت موجودة في عمر؛ فقد كان قوي الإحساس، سريع التأثر بالله، كثير البكاء من خشية الله، ويتميز بسرعة الملاحظة ودقة الانتباه للتفاصيل التي قد يغفل عنها غيره.

ومن أبرز ما يميز شخصية عمر، كما يوضح العقاد، قوة فراسته. فقد كان يستطيع أن يستنتج أحوال الناس من تصرفاتهم أو كلماتهم، واشتهرت عنه مواقف كثيرة أصابت فيها حدسه بصورة لافتة. ولم يكن يعتمد على التخمين وحده، بل على فهم عميق للنفوس وخبرة واسعة بالحياة.

كما تناول العقاد ما نُقل عن عمر من اهتمام بالتفاؤل، وتأويل الرؤى، وما اشتهر به من مواقف مثل قصة “يا سارية، الجبل”، التي رآها كثير من معاصريه دليلًا على قوة بصيرته ونفاذ إدراكه، سواء فسرت بالفراسة أو بالإلهام.

ويخلص العقاد إلى أن اجتماع هذه الصفات كلها في رجل واحد أمر نادر؛ فقد جمع عمر بين قوة الشخصية، وصفاء الضمير، وعمق الإيمان، وسرعة البديهة، والقدرة على اتخاذ القرار، ولذلك استحق أن يُوصف بأنه رجل استثنائي وعبقري بكل المقاييس، سواء عند القدماء أو في نظر الباحثين المحدثين.

في كتاب عبقرية عمر، لا يكتفي عباس محمود العقاد بسرد أحداث حياة عمر بن الخطاب، بل يحلل شخصيته ويبين الصفات التي جعلته من أعظم قادة التاريخ. ومن أبرز هذه الصفات:

1. العدل

يرى العقاد أن العدل هو جوهر شخصية عمر، وأن جميع صفاته الأخرى كانت تدور حول هذه القيمة. فلم يكن يجامل أحدًا على حساب الحق، وكان يساوي بين الناس مهما اختلفت مناصبهم أو مكانتهم.

2. قوة الشخصية

كان عمر يتمتع بشخصية قوية وحازمة، لا يتردد في اتخاذ القرار إذا تبين له الحق، ولم يكن يخشى مواجهة الصعوبات أو تحمل المسؤولية.

3. الهيبة

امتلك هيبة طبيعية فرضت احترامه على الجميع، ولم تكن نابعة من السلطة أو المظهر، بل من قوة نفسه، وصدقه، وثباته على مبادئه.

4. الشجاعة

جمع بين الشجاعة الجسدية والشجاعة الأدبية، فكان يواجه الأعداء في ميادين القتال، كما كان يعترف بخطئه إذا ظهر له الصواب.

5. الحكمة وحسن الإدارة

تميز بقدرة كبيرة على تنظيم شؤون الدولة، واختيار الرجال الأكفاء، ووضع الأنظمة التي ضمنت استقرار الدولة الإسلامية واتساعها.

6. الفراسة

اشتهر بنفاذ البصيرة وقوة الملاحظة، وكان يستطيع فهم الأشخاص والمواقف بسرعة، مما ساعده على اتخاذ قرارات صائبة في كثير من الأحيان.

7. المسؤولية

كان يشعر بأن مسؤولية الحاكم تشمل كل فرد في المجتمع، لذلك كان يتابع أحوال الناس بنفسه، ويحاسب نفسه قبل أن يحاسب غيره.

8. التواضع

على الرغم من اتساع دولته وقوة نفوذه، عاش حياة بسيطة، وابتعد عن مظاهر الترف، وظل قريبًا من عامة الناس.

9. الرحمة

ورغم ما عُرف عنه من شدة، فإن شدته كانت موجهة إلى الظالمين فقط، أما الضعفاء والفقراء فكان يعاملهم برحمة وعطف كبيرين.

10. قوة الإيمان

كان إيمانه بالله هو الدافع الأساسي في قراراته وسلوكه، ولذلك كان شديد الخشية لله، كثير البكاء عند سماع القرآن أو تذكر الآخرة.

11. سرعة البديهة

امتلك قدرة على فهم المواقف المعقدة بسرعة، وإيجاد الحلول المناسبة في أوقات الأزمات.

12. الانضباط والحزم

كان يطبق القانون على الجميع دون استثناء، ويؤمن أن هيبة الدولة لا تتحقق إلا بالعدل والحزم معًا.

الفصل الرابع

يقول عباس محمود العقاد إن لكل إنسان مفتاحًا يفسر شخصيته، تمامًا كما يفتح المفتاح باب المنزل. ومن يعرف هذا المفتاح يستطيع أن يفهم تصرفات الإنسان وقراراته ودوافعه. ويرى العقاد أن مفتاح شخصية عمر بن الخطاب هو طبيعته الجندية، ليس بمعنى أنه كان مقاتلًا فقط، بل لأنه جمع أرقى صفات الجندي المثالي.

كانت الشجاعة أولى هذه الصفات، فلم يكن عمر يخشى في الحق لومة لائم، وكان يواجه الصعاب بثبات وإقدام. وإلى جانب الشجاعة، امتلك الحزم، فلم يكن يتردد في اتخاذ القرار إذا تبين له الصواب، وكان يرفض التهاون في حقوق الناس أو في تطبيق العدل.

كما عُرف بالصراحة والوضوح، فلم يكن يعرف المجاملة على حساب الحق، وكان يقول ما يراه صوابًا مهما كانت النتائج. وإلى جانب ذلك، كان شديد الانضباط، يؤمن بأن النظام أساس نجاح الأفراد والدول، ولذلك اهتم بتنظيم الجيش، وترتيب الدواوين، وتسوية صفوف الصلاة، ومتابعة الأسواق، حتى أصبحت الدولة الإسلامية في عهده نموذجًا في حسن الإدارة.

لكن العقاد يلفت النظر إلى أن عمر لم يكن مجرد رجل شديد، بل كان شديد الالتزام بالواجب. فإذا رأى أن من حقه إبداء الرأي فعل ذلك بكل شجاعة، وكان يناقش النبي ﷺ وأبا بكر في بعض القضايا، فإذا صدر القرار أطاعه دون تردد، لأنه كان يفرق بين حق المشورة وواجب الطاعة. وكان يرى أن نجاح أي جماعة لا يتحقق إلا إذا عرف كل إنسان مسؤوليته وأدى واجبه بإخلاص.

ومن الصفات التي يبرزها العقاد أيضًا، اهتمام عمر بالنظام في أدق التفاصيل. فلم يكن يقبل الفوضى في المسجد، ولا في الأسواق، ولا في شؤون الدولة. وكان يراقب الولاة، ويتابع أحوال الرعية، ويضع القوانين التي تحفظ حقوق الجميع، مؤمنًا بأن قوة الدولة لا تقوم على السلاح وحده، بل على النظام والعدل.

ورغم هذه الصرامة، لم يكن عمر قاسي القلب. فقد كان زاهدًا في الدنيا، يكتفي بالقليل، ويعيش حياة بسيطة، ويحرص على تربية نفسه قبل أن يربي الناس. وكان يكره الكسل والإسراف، ويشجع على القوة البدنية، وتعلم الفروسية والرماية والسباحة، لأن الإنسان القوي في نظره أقدر على خدمة دينه وأمته.

ويؤكد العقاد أن كل هذه الصفات كانت محكومة بالإيمان. فإيمان عمر لم يكن مجرد شعور في القلب، بل كان القوة التي توجه شجاعته، وتضبط حزمه، وتمنعه من الظلم. ولذلك لم يستخدم القوة لتحقيق مصلحة شخصية، وإنما لإقامة العدل، وحماية الضعفاء، وصيانة حقوق الناس.

وكان عمر يؤمن بأن أعظم الجهاد هو جهاد النفس، وأن القتال لا يكون إلا دفاعًا عن الحق، ولذلك أوصى قادة الجيوش بعدم الاعتداء على الأبرياء، وعدم قتل النساء والأطفال وكبار السن، وعدم التمثيل بالأعداء، مؤكدًا أن الحرب في الإسلام لها أخلاق وقيم لا يجوز تجاوزها.

وفي نهاية الفصل، يخلص العقاد إلى أن شخصية عمر كانت متناسقة بصورة نادرة. فقد اجتمعت فيها الشجاعة مع الرحمة، والحزم مع العدل، والطاعة مع القدرة على القيادة، والإيمان مع حسن الإدارة. ولهذا يرى أن فهم طبيعة عمر الجندية هو المفتاح الذي يفسر معظم مواقفه وإنجازاته، ويكشف سر عبقريته التي جعلته واحدًا من أعظم القادة في التاريخ.

إذا ذُكر عمر بن الخطاب، فإن أول ما يتبادر إلى الأذهان هو العدل. لم يكن العدل عند عمر مجرد صفة من صفاته، بل كان الأساس الذي قامت عليه شخصيته، والميزان الذي حكم به نفسه قبل أن يحكم به الناس.

يرى عباس محمود العقاد أن عمر لم يكن عادلًا لأنه خليفة، بل أصبح خليفة لأنه كان عادلًا. فقد تربى على الصراحة وتحمل المسؤولية، ثم جاء الإسلام فصقل هذه الصفات وجعلها موجهة إلى غاية واحدة، هي إرضاء الله وإقامة الحق.

كان عمر يؤمن أن الحاكم ليس سيدًا على الناس، وإنما خادم لهم، وأن السلطة ليست امتيازًا، بل أمانة ثقيلة سيُسأل عنها أمام الله. ولهذا كان يعيش في خوف دائم من التقصير، ويحاسب نفسه قبل أن يحاسبه أحد.

ومن أعظم ما يميز عدل عمر أنه لم يكن يفرق بين قريب وبعيد، أو غني وفقير، أو عربي وأعجمي. فالناس جميعًا أمام الحق سواء، ولا قيمة للنسب أو المنصب إذا تعارض مع العدل.

وكان عمر شديد الحرص على مراقبة ولاته، فلا يمنح أحدًا سلطة مطلقة، ولا يترك مسؤولًا دون متابعة. وكان يسأل عن أحوال الناس بنفسه، ويتأكد أن حقوقهم محفوظة، لأن الحاكم في نظره مسؤول عن كل مظلمة تقع في دولته.

ولم يكن يخشى الاعتراف بخطئه إذا تبين له الصواب. فإذا جاءه رأي أفضل، قبله بكل تواضع، لأن هدفه لم يكن الانتصار لرأيه، وإنما الوصول إلى الحق. وهذه من أعظم صفات القائد الحقيقي؛ أن يجعل الحقيقة فوق مكانته الشخصية.

كما كان يؤمن أن الرحمة جزء من العدل، وأن القوة لا قيمة لها إذا تحولت إلى ظلم. لذلك كان حازمًا مع المعتدين، لكنه رقيق القلب مع الضعفاء، يواسي المحتاجين، ويقف إلى جانب الأرامل والأيتام، ويحرص على ألا يبيت في دولته جائع أو مظلوم.

ويؤكد العقاد أن هذا العدل لم يكن نتيجة قوانين مكتوبة فقط، بل كان نابعًا من ضمير حي، وإيمان عميق، وشعور دائم بالمسؤولية أمام الله. ولهذا استطاع عمر أن يبني دولة قوية، لأن الناس وثقوا في عدله قبل أن يهابوا سلطانه.

لقد أدرك عمر أن الأمم لا تستقر بالقوة وحدها، وإنما تستقر عندما يشعر كل فرد أن حقه محفوظ، وأن القانون يطبق على الجميع بلا استثناء. ومن هنا أصبحت العدالة أساس الحكم في عهده، وانتشر الأمن والاطمئنان بين الناس.

ويختتم العقاد هذا الفصل برسالة مهمة، وهي أن سر عبقرية عمر لم يكن في ذكائه أو شجاعته فقط، وإنما في إيمانه بأن العدل هو أساس كل حضارة، وأن الحاكم العادل يخلد في التاريخ أكثر من أي قائد يعتمد على القوة وحدها.

وهكذا بقي عمر بن الخطاب نموذجًا خالدًا للعدل، وأصبحت سيرته مصدر إلهام لكل من يؤمن بأن بناء الأوطان يبدأ بإقامة الحق، وأن أعظم قوة يمتلكها الإنسان هي أن يكون عادلًا، حتى مع نفسه.

للفصل السادس من كتاب عبقرية عمر للكاتب والمفكر عباس محمود العقاد، والذي يحمل عنوان عمر والدولة الإسلامية.

يبدأ العقاد هذا الفصل بطرح رؤية عميقة حول مفهوم التأسيس. فهو يرى أنه على الرغم من أن الخليفة أبي بكر الصديق كان له السبق في توطيد العقيدة ومحاربة المرتدين وتسيير البعوث، إلا أننا نسمي عمر بن الخطاب مؤسساً للدولة الإسلامية بمعانٍ أخرى. عمر كان مؤسساً للدولة قبل ولاية الخلافة بسنين، بل منذ اللحظة الأولى التي أسلم فيها وجهر بالدعوة وأعزها بهيبته وعنفوانه. وكان مؤسساً لها يوم بايع أبا بكر وحسم الفتنة التي كادت تعصف بالدولة في مهدها، ويوم أشار على أبي بكر بجمع القرآن الكريم الذي يعد دستور الدساتير ودعامة الدعائم.

ويتعجب العقاد من قدرة عمر الإدارية التي وصفها بأنها آية الآيات. فرجل البادية هذا، الذي لم يترب في قصور الملوك ولم تعنه السوابق التاريخية، التفت إلى مواضع التأسيس كأنه يراجع تاريخ عشرين دولة مستفيضة الملك راسخة العمران. فلم يكد يترك نظاماً في الدولة إلا وكانت له أولية فيه. هو من أنشأ الدواوين، ورتب أصول القضاء والإدارة، واتخذ بيت المال، وسك النقود، وأنشأ دار الحبس للعقاب، وربط أجزاء الدولة بالبريد، وحمى الثغور بالمرابطين، وفوق كل ذلك فطن إلى حفظ اللسان العربي فأمر بوضع علم النحو لحماية اللغة من الفساد بعد الفتوحات.

وينتقل العقاد إلى ملاك النظم الحكومية عند عمر وهو نظام الشورى. فقد جعل عمر من الشورى فناً عسيراً لا يقدر عليه إلا صاحب رأي أصيل. فكان يجمع نخبة الصحابة للمشورة، وإذا أعياه الأمر المعضل دعا الشباب والأحداث لحدة عقولهم، بل كان يستشير العدو الذي لا يأمنه كالهرمزان بحثاً عن نور الحقيقة. وحول موسم الحج إلى ما يشبه الجمعية العمومية، حيث يفد الولاة لعرض حسابهم، ويفد أصحاب المظالم لبسط شكواهم، فيستمع للجميع ويمحص الآراء لإبراء الذمة.

وفي الإستراتيجية العسكرية، وضع عمر لقواده دستوراً للحرب والزحف يحثهم فيه على الأناة والحذر. فكان يضع الأسس العامة للحملات ويتابع الميادين بدقة، دون أن يغل يد القائد في المعركة لأنه كان يؤمن أن الشاهد يرى ما لا يرى الغائب. وبلغت هيبته العسكرية أن بطل الفرس رستم كان يقول إن عمر هو هازمه في الميدان وهو الذي يعلم الكلاب العقل. وإذا أخطأ قائد كأبي عبيد في وقعة الجسر، يوضح العقاد أن عمر يتحمل تبعة الاختيار كذكرى لإنصاف المتقدمين، لكن الخطأ جاء من مخالفة وصايا عمر بالتريث.

أما دستور الولاة عند عمر، فكان يقوم على مبدأ أن الحكم محنة لا يصلح إلا بشدة لا جبرية فيها ولين لا وهن فيه. وكان يرى نفسه مسئولاً عن كل صغيرة وكبيرة لولاته، ويرفع شعار حاسبوا أنفسكم قبل أن تحاسبوا. فكان يحصي أموال الولاة قبل الولاية، ويمنعهم من التجارة قائلاً إنا بعثناكم ولاة ولم نبعثكم تجاراً، وكان يصادر نصف ثروة الوالي إذا زادت عن الحد المعقول. وكان يقدم راحة الرعية على مكانة القادة، فعزل سعد بن أبي وقاص وهو القائد المظفر احتياطاً للرعية وعصمة للدولة من فتنة الولاة المحبوبين الذين قد تزل بهم الأنفس إذا طال بهم العهد.

ويتجلى عدله الإنساني في قصة المصري الذي ضربه ابن عمرو بن العاص، حيث استدعى عمر الوالي وابنه وأمر المصري أن يضرب ابن الأكرمين بالدرة، والتفت إلى عمرو بن العاص ليطلق صيحتها المدوية التي لم يقلها حاكم قبله: يا عمرو، متى تعبدتم الناس وقد ولدتهم أمهاتهم أحراراً؟

وفي شئون القضاء، وضع وصايا تعتبر أحكم وأصلح لجميع الأزمنة. فكان يعلم القضاة التدرج في الأحكام من كتاب الله ثم سنة رسوله ثم ما أجمع عليه الناس ثم الاجتهاد والأناة. وكان يوصي القاضي بالمساواة بين الخصوم في المجلس والوجه حتى لا يطمع شريف في حيف ولا ييأس ضعيف من عدل، وأن البينة على من ادعى واليمين على من أنكر، وأن مراجعة الحق خير من التمادي في الباطل. وكان اجتهاده مرناً فلم يقطع يد السارق في عام المجاعة رعاية للزمن والظروف الإنسانية.

وينتهي الفصل بالحديث عن النظام الاقتصادي والتعمير. فقد منع عمر المسلمين من تملك الأرض في البلاد المفتوحة وأبقاها لأبنائها ليحميهم ويحمي الجند من فتن العقار والدعة. وكان ينوي في أواخر حياته أخذ فضول أموال الأغنياء لتقسيمها على الفقراء في وجوه البر والإصلاح. وأسس ديوان الوقف الخيري بإنشاء بيت الدقيق لإغاثة الجياع. وفي التعمير، كانت نصائحه في تخطيط المدن مثل الكوفة والبصرة واختيار مواقعها من أنفع النصائح، حيث أمر بتوسيع الشوارع والحد من ارتفاع الدور والزهد في تشييد القصور ليحمي الدولة في نشأتها من الترف والبذخ وبواعث الوهن، تماشياً مع فكرة أن قوة الأمم تكمن في العقيدة وقوة النفس وبساطة الظواهر لا في الفخامة المادية.

قصارى القول، إن هذا الفصل يرينا رجلاً لم تواجهه في ولاياته الواسعة صعوبة أكبر منه، بل كان يملك الحزم والتدبير لكل طارئ كأنما كان له على استعداد.

 

عمر والحكومة العصرية” كاملًا ومصاغًا بأسلوب السكربت الصوتي الممسوح بطلاقة، ومجرداً تماماً من أي جداول أو رموز أو تنسيقات لتقرأه في التسجيل دون تشتيت:

أهلاً بكم في قراءة وتحليل للفصل السابع من كتاب عبقرية عمر للكاتب والمفكر عباس محمود العقاد، والذي يحمل عنوان عمر والحكومة العصرية.

يبدأ العقاد هذا الفصل بلفتة فكرية هامة جداً، وهي ضرورة أن نفهم عظماء العصور السابقة في سياق زمانهم لا زماننا. فالرجل الذي يصنع في عصره خير ما يصنع فيه هو القدوة لكل جيل، ولا حاجة به إلى الاقتداء بنا أو أن يشق حجب الغيب ليرضينا. ويرى الكاتب أن أشكال الحكومات كالملكية أو الجمهورية، وحتى المبادئ السياسية، تأتي في مرتبة أدنى من الروح الإنساني المتمثل في العدل والحرية. ففقدان الشكل أو المبدأ لا يضر إذا وجد العدل، أما فقدان العدل والحرية فهو الطامة الكبرى ولو توافرت الدساتير والأشكال الحديثة.

ويطرح العقاد سؤالاً ذكياً، ماذا لو نشأ أحد عظماء العصر الحديث في القرن الأول للهجرة؟ هل كان سيصنع ما هو عصري في زماننا أم ما هو عصري في زمانه؟ المؤكد أنه كان سيعمل بما يناسب زمانه هو، وبالتالي فاللوم يقع علينا نحن عندما نقيس الأمور بغير مقياسها الصحيح، أو عندما نستغرب أحوال العصور السابقة لمجرد اختلاف المظاهر والأزياء، بينما الجواهر وحقائق الأشياء واحدة.

وعندما ننظر إلى أعمال عمر بن الخطاب ونقيسها بنظم الحكم في زماننا، قد نجد للوهلة الأولى أموراً مستغربة، لكننا بمجرد أن ننفذ إلى اللباب نرى الحق الخالد الذي لا يتغير بتغير العصور. خذ مثلاً أن عمر وهو أقدر الحكام في عصره، كان يقنع بالكفاف ويلبس الخشن ويداوي إبل الصدقة بالقطران، ونام على الأرض حتى رآه رسل الملوك على تلك الحال، وخاض المخاضة وهو داخل إلى الشام آخذاً بخطام بعيره، وساوى بينه وبين خادمه في السفر.

حاكم العصر الحديث لا يصنع هذا، وهو على حق لأن حاكم الأمة اليوم يحتاج إلى أبهة ومهابة، ولكن عمر كان يملك مهابة حقيقية في قلوب رعيته وأعدائه تفوق مهابة أصحاب التيجان في قصورهم. وكانت عيشته الفقيرة أعون له على تثبيت العقيدة التي هي أساس الحكم. ومع هذا، لم يفرض عمر هذا التقشف على ولاته إن استدعت مصلحة الدولة والمهابة غير ذلك. بل خالف أبا بكر في التسوية بين عطايا المسلمين، واعتمد نظام التفضيل وتوفية العطاء حسب السوابق والجهاد والمآثر، وجعل لكل وال كفاء عمله من أجر وطعام مكفول.

ويرد العقاد على من قد يتهم تشديد عمر على نفسه بضيق الطبع أو العجز عن ملابسة الدنيا، مؤكداً أن أخلاق عمر تدل على خلق قوي يروض صاحبه لا على خلق ضعيف يجفل من التكليف. هذا التشديد يرجع إلى طبيعة الجندي القوي الذي يعلم أن الله شديد الحساب، فيفضل أن يجور على نفسه استقصاء للحساب على أن يترخص في حقها بانتظار العفو والمغفرة. كما كان وفاؤه للنبي وأبي بكر يمنعه من أن يعيش في نعم لم يستبيحاها لنفسيهما. وكانت قناعته وسيلة لإقامة الحجة على الولاة حتى يستحي أحدهم أن يخون ليغتني وخليفته يقنع بالكفاف. فعمر كان يرى المروءة مروءتين، مروءة ظاهرة وهي الرياش، ومروءة باطنة وهي العفاف.

وينوه العقاد بأن العصور الحديثة التي تستغرب شظف عمر، هي نفسها التي تهلل لملوكها ورؤسائها اليوم عندما يتشبهون بسيرة عمر في أوقات الحروب والمجاعات، ويأكلون مما تأكله شعوبهم مواساة لهم في المحنة.

ويتناول الفصل أمراً آخر يستغربه العصريون، وهو طريقة عمر في محاسبة الولاة والعمال. فقد كان يجزي الوالي جزاء المثل عن كل مظلمة تقع على رعيته، ويأخذه بسيئات ذويه إن استطالوا بجاهه، ويحصي أموالهم ويصادر ما زاد منها دون مصدر معروف. والعصريون يستغربون هذا ليس لأنه غير حسن، بل لأنه غير مستطاع في النظم الحديثة التي قد تحمي الحاكم الظالم وتمنع مقاضاته إلا بإذن، أو تكتفي بمنع الدساتير للوزراء من مباشرة الأعمال التجارية لكنها تتركهم يدخلون الخدمة فقراء ويخرجون منها بالقصور والأموال.

ويضرب الكاتب أمثلة من الحوادث العمرية التي تثير حذلقة العصريين حول الحرية الشخصية والإجراءات الرسمية، مبيناً جوهرها العادل. ومنها خفقه لإياس بن سلمة بالدرة لإماطة الطريق، ثم تعويضه بعد حول كامل بستمائة درهم من ماله الخاص خشية المظلمة. ومنها ضربه للأمة التي تشبهت بالحرائر في زيها، من باب منع النساء المريبات من التنكر لإفساد آداب المجتمع. ومنها عقابه للرجل الذي يتبختر في مشيته حتى تركها، تعظيماً للآداب التي نص عليها القرآن.

وحتى قصة شرائه لسان الشاعر الحطيئة بثلاثة آلاف درهم ليكف عن هجاء الناس، يرى العقاد أن أمين خزانة الدول الحديثة قد يحار في تصنيفها، لكنه سرعان ما يضعها في باب الدعاية وحماية الأخلاق العامة التي تنفق فيها الدول الحديثة الملايين، مع فارق أن مال عمر كان لنفع الرعية لا لنفع الحاكم.

وفي قصة تسوره الحائط على رجل يشرب الخمر، ومحاجه الرجل لعمر بأنه ارتكب ثلاث مخلفات شرعية بالتجسس ودخول البيوت من غير أبوابها وترك السلام، عفا عنه عمر بعد أن اشترط عليه التوبة. يوضح العقاد أن هذا السلوك يطابق تماماً النظم الدستورية الحديثة التي تمنع الرقابة وفض الأسرار، وتجعل القضاء يرفض أي دليل يثبت بطريق غير مشروع، مما يضطر الحكومات للسكوت ومتابعة المتهم حتى تسفر القضية عن بينة مشروعة.

ويختم العقاد الفصل بالحادثة الشهيرة لرسالة عمر إلى نيل مصر عندما أمسك عن الفيضان، وطلب أهل مصر تقديم قربانهم السنوي بإلقاء جارية بكر في النهر، فرفض عمرو بن العاص ذلك وكتب لعمر، فأرسل عمر بطاقة للنيل يقول فيها إن كنت تجري من قبلك فلا تجر، وإن كنت تجري من قبل الله فنسأل الله أن يجريك، فألقيت الورقة وفاض النيل. يرى الكاتب أنه حتى لو كانت الرواية قابلة للشك التاريخي، فإن موقف عمر كان إنكاراً لخرافة تعافها العقول، ولم يقل إن ورقته هي التي تسير النهر بل جهر بأن الله هو الذي يجريه. وورقة عمر هذه أقرب إلى العقل من طقوس العصر الحديث ككسر الزجاجات عند فتح القناطر أو حرق البخور استغاثة بالفيضان.

ينهي العقاد فصله بصرخة فكرية قوية ضد الحماقة التي تخجل العصر الحديث، حين يعيب بعض المفكرين والمؤرخين عدل عمر ونظامه لمجرد أنه كان يقضي بغير استمارات مدموغة أو إجراءات عصرية، مؤكداً أن العظمة الإنسانية والعدل الخالص هما الأساس، وليست العناوين والشكليات والرفوف التي توضع عليها الأضابير.

 

الفصل الثامن من كتاب عبقرية عمر للكاتب والمفكر عباس محمود العقاد، والذي يحمل عنوان عمر والنبي.

يبدأ العقاد هذا الفصل بالإشارة إلى أن دراسة شخصية عمر بن الخطاب تمثل مغنماً نفسياً كبيراً، ولكن المغنم الأكبر هو لعلم الأخلاق. فالقواعد الأخلاقية غالباً ما تكون فكرية وتكليفية، يمليها الفكر ويصعب على الطبيعة البشرية الالتزام بها لأنها تبدو غريبة عن نوازع النفس. لكن حين نجد نفساً كعمر، تتحول فيها هذه الآمال الفكرية إلى وقائع ملموسة، فإننا نكون أمام معجزة أخلاقية ونفسية.

ومن أبرز هذه الحقائق أن القوة لا تناقض العدل، وأن القوة أيضاً لا تناقض الإعجاب. فالكثيرون يظنون أن البطل الذي يعجب به الناس لا يعجب بأحد، وأن التطلع للأعلى صفة الصغار فقط. لكن عمر ينقض هذا الظن تماماً، فقد كان يحب محمداً حب إعجاب ويستصغر نفسه أمام عظمته، رغم أن عمر لم يكن صغيراً في نظر نفسه ولا في نظر الناس.

ويتجلى هذا الإعجاب عندما سمع عمر من النبي كلمة يا أخي، حيث استأذنه في العمرة فقال له النبي: يا أخي لا تنسنا من دعائك، فظل عمر يذكرها طوال حياته ويقول ما أحب أن لي بها ما طلعت عليه الشمس. وهنا يظهر الفارق، فعمر لم يكن يتواضع عن ضعة أو شعور بالصغر، بل كان يتصاغر لأنه يشعر بعظمته وقوته ويكبح كبرياءه. فكلما اعتز من حوله بسلطانه، كان يذكرهم ويذكر نفسه بأصله، مثلما مر ببعض الشعاب وقال لأصحابه: لقد رأيتني في هذه الشعاب أرعى إبل الخطاب وكان غليظاً يتعبني، ثم أصبحت وليس فوقي أحد. وعندما سأله ابنه عن سبب قوله هذا، أجابه: إن أباك أعجبته نفسه فأحب أن يضعها.

ومع هذا الإعجاب الشديد، يوضح العقاد أن إعجاب عمر لم يلغ استقلالية رأيه وشخصيته. فما أحجم عمر قط عن مصارحة النبي برأي يراه، وكان النبي يستمع إليه عندما يقترح أو يستنزل الأحكام. فقد أشار على النبي بحجاب نسائه حتى نزل الوحي بموافقة رأيه. ولما هم النبي بالصلاة على عبد الله بن أبي كبير المنافقين، وقف عمر في صدره يذكره بمساوئ المنافق، ورغم أن النبي ابتسم وصلى عليه، إلا أنه لم يلبث كثيراً حتى نزلت الآيات تنهى عن الصلاة على المنافقين موافقة لرأي عمر. وكذلك الحال عندما رد عمر أبا هريرة الذي بعثه النبي ليبشر بالجنة كل من شهد أن لا إله إلا الله، حيث قال عمر للنبي: فلا تفعل يا رسول الله فإني أخشى أن يتكل الناس عليها فخلهم يعملون، فوافقه النبي. وفي صلح الحديبية، تجلت حمية عمر واستقلاله حين غمه الصلح وذهب يراجع أبا بكر والنبي علام نعطى الدنية في ديننا، حتى أتاه اليقين بأنه الفتح المنتظر فسكنت نفسه.

ويرى العقاد أن عمر كان يعرض أقصى ما عنده من بأس وشدة، تاركاً للقائد والرسول أن يختار مقدار ما يريد منها. ولهذا قال أبو بكر عن شدة عمر: إنما يشتد لأنه يراني ليناً. وبعد وفاة النبي، ظل عمر أحرس الناس على سنته، ومع ذلك كان يبحث عن العلة وراء الأحكام، فخالف أبا بكر في إعطاء المؤلفة قلوبهم من الأرض قائلاً إن النبي كان يتألفهم والإسلام ذليل، أما الآن فقد أعز الله الإسلام. ولنفس السبب نهى عن زواج المتعة وعن التحلل من بعض مناسك الحج بعد أن تغيرت الظروف.

وينتقل الكاتب إلى مسألة اختيار أبي بكر للخلافة وإمامة الصلاة في مرض النبي، موضحاً أن هذا الاختيار لم يكن مصادفة بل جاء لاعتبارات حكيمة نظر إليها النبي، منها سن أبي بكر وسابقته وفضله الذي يمنع منافسة الأنداد، بالإضافة إلى أن رفق أبي بكر كان أصلح لتلك المرحلة. كما أن عمر كان أصغر من أبي بكر بعشر سنوات، فتقديم أبي بكر لم يكن تأخيراً لكفاءة عمر بل تأجيلاً لدوره حتى يأتي الوقت الذي يحتاج فيه الإسلام لصلابته في مواجهة الأعداء، وهو ما عبرت عنه رؤيا النبي في المنام عن نزع أبي بكر ونزع عمر الذي استحال غرباً حتى روى الناس.

وفي ختام الفصل، يتناول العقاد علاقة عمر بآل البيت، مفنداً مزاعم المؤرخين الذين حاولوا تصوير عمر كمحارب لبني هاشم. فالوقائع تثبت أن عمر كان شديد الوفاء لذكرى النبي في آله. فعند تقسيم الأعطية، جعل لآل البيت النصيب الأوفى وفضلهم على أقرب الناس إليه. وفي قصته مع الحسين بن علي، عندما علم عمر أن ابنه عبد الله لم يؤذن له فرجع الحسين معتقداً أنه لن يؤذن له أيضاً، قال له عمر معاتباً: وأنت عندي مثله؟ وهل أنبت الشعر على الرأس غيركم؟ وكان عمر يستخلف علياً على المدينة إذا سافر، ويرجع إليه في القضاء مستفتياً ويقول أنا أحق بإتيانك. وكان يستشير ابن عباس ويعجب بذكائه ويقول غص غواص.

أما صرامته في دعوة علي لبيعة أبي بكر، فلم تكن إجحافاً بحق علي أو قصداً لإقصاء بني هاشم، بل كانت صرامة الجندي الحريص على وحدة كلمة المسلمين ومنع الفتنة في مهدها. والقول بأن عمر حال دون كتابة النبي لصحيفة يوصي فيها لعلي بالخلافة هو قول سخيف، لأن النبي عاش بعد ذلك الأيام ولم يكرر طلب الكتاب، ولو كانت الوصية لعلي أمراً حتمياً لما تكلف النبي كتاباً بل لقالها علانية كما أمر أبا بكر بالصلاة بالناس.

قصارى القول، إن دراسة سيرة عمر تظهر لنا كيف تلاقت وتكاملت الصفات التي تبدو متناقضة في ظاهرها، من قوة وعدل، وإعجاب واستقلال، تحت مظلة الإيمان الخالص والتوجيه النبوي الحكيم.

خلاصة العقاد

في كتاب عبقرية عمر للعقاد، يخلص العقاد إلى أن عبقرية عمر لم تكن في الشدة وحدها، ولا في الذكاء وحده، وإنما في التوازن بين القوة والرحمة، وبين الحزم والعدل، وبين القيادة والتواضع. ولهذا اعتبره نموذجًا للقائد الذي جمع الصفات الأخلاقية والإنسانية والإدارية في شخصية واحدة، حتى أصبح من أبرز الشخصيات في التاريخ الإسلامي والإنساني.

اقرأ أيضا: ملخص كتاب فن اللامبالاة

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.