{لَقَدْ كُنْتَ فِي غَفْلَةٍ مِنْ هَذَا فَكَشَفْنَا عَنْكَ غِطَاءَكَ فَبَصَرُكَ الْيَوْمَ حَدِيدٌ}
جملة «لقد كنت» واقعة في جواب القسم، وجملة «فكشفنا» معطوفة على جملة «كنت»، وجملة «فبصرك اليوم حديد» معطوفة على جملة «كشفنا»، و «اليوم» ظرف متعلق بـ «حديد».
فكشفنا عنك غطاءك فبصرك اليوم حديد
كشف الغطاء
• {غِطَاءكَ} رَفَعْنَا عَنْكَ الحِجَابَ الَّذِي كان بَيْنَكَ وَبَيْنَ أُمُورِ الآخِرَةِ، وقيل: كُشِفَ الغِطَاءُ، وَبَانَ الخَفِيُّ وَاتَّضَحَ كُلّ شَيْءٍ.
وعن أحمدَ بن أبي الحواريِّ، قال: كُنتُ أسمعُ وكيعًا يبتدئُ قبلَ أن يُحَدِّثَ فيقولُ: ما هنالِك إلا عفوُه، ولا نعيشُ إلا في سترِه، ولو كُشِفَ الغطاءُ لكُشِفَ عن أمرٍ عظيمٍ.
والإيمان هو اليقين الجازم القاطع واليقين وهو من حيث أثره في النفس ثلاث مراتب:
أولاها: علم اليقين، وهي أن تتوافر الأدلة والاطمئنان حتى يكون اليقين الجازم القاطع الذي لَا يكون معه شك ولا ريب، ولا إنكار أو جحود، بل تسليم وإذعان من غير مماراة.
وثانيها: عين اليقين، وهو أن تكون أعماله كلها وفق ذلك الاعتقاد الجازم، فيكون اليقين قد رؤى عيانا في الجوارح والأعمال.
والثالثة، وهي المرتبة العليا: حقيقة اليقين، وهي أن يصل إلى درجة تشبه المشاهدة أو تكون من جنسها وهي التي قال فيها النبي – صلى الله عليه وسلم -: ” اعبد الله كأنك تراه، فإن لم تكن تراه فإنه يراك ” (٢) وهذه مرتبة المشاهدة ولقد وصل إليها الأبرار من أصحاب النبي – صلى الله عليه وسلم – مثل أبي بكر وعمر وعثمان وعلي، ولقد قال علي كرم وجهه (لو كشف الغطاء ما ازددت يقينا) لأنه – رضي الله عنه – وصل إلى مرتبة المشاهدة. وفي الجملة فإننا نرى أن الإيمان يزيد وينقص والله سبحانه وتعالى عليم بذات الصدور.
البصر الحديد
فَبَصَرُكَ الْيَوْمَ حَدِيدٌ (٢٢)}: فعلمُكَ اليومَ نافذٌ (١)، وقيل: بصرُه عينه، وقيل: البصر الحديد: لسانُ الميزان (٢).
قال ابنُ زيدٍ: {لَقَدْ كُنْتَ فِي غَفْلَةٍ مِنْ هَذَا}: خطابٌ للنبيّ – صلى الله عليه وسلم -، أي: كنتَ قبلَ الوحي في غفلةٍ من هذا العلم، {فَكَشَفْنَا عَنْكَ غِطَاءَكَ} بما أوحينا إليكَ، … {فَبَصَرُكَ الْيَوْمَ حَدِيدٌ} فعلمُكَ ثاقبٌ نافذٌ، وهذا كقوله: {مَا كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلَا الْإِيمَانُ}
الإنسان يوم القيأمة.
– معاني الرؤية
فكشفنا عنك غطاءك فبصرك اليوم حديد
[معاني فعل الرؤية إذا تعدى بنفسه أو بإلى أو بفي]
قوله تعالى: {إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ} فعل هذا النظر يتعدى بنفسه، ويتعدى بإلى ويتعدى بفي، وأنا أسرد ذلك للرد على أهل البدع والضلالة، الذين ينكرون رؤية الله جل في علاه يوم القيامة.
فيتعدى بنفسه فيكون معناه: الانتظار، أي: الانتظار لثواب الله أو لعقابه أو لحسابه.
قال الله تعالى حاكياً لنا عن حال المنافقين على الصراط مع المؤمنين عندما يضاء للمؤمنين وهم يستضيئون بنور المؤمنين، ثم بعد ذلك يضرب بينهم بسور، قال الله تعالى حاكياً عن قولهم: {يَوْمَ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ وَالْمُنَافِقَاتُ لِلَّذِينَ آمَنُوا انْظُرُونَا نَقْتَبِسْ مِنْ نُورِكُمْ قِيلَ ارْجِعُوا وَرَاءَكُمْ فَالْتَمِسُوا نُورًا} [الحديد:١٣].
فقوله تعالى: ((انْظُرُونَا)) يعني: انتظرونا، حتى نستفيد من هذا النور فنمر على الصراط المظلم الشائك كما تمرون أنتم.
وأيضاً تتعدى بـ (في) قال الله تعالى: {أَوَلَمْ يَنظُرُوا فِي مَلَكُوتِ السَّمَوَاتِ} [الأعراف:١٨٥]، فهذه الرؤية لازمها التدبر، فهي رؤية تدبر عقلي وقلبي لآيات الله الكونية، حتى تتدبر في لوازم ربوبية الله سبحانه جل في علاه.
إذاً: لو تعدت بـ (في) فهي رؤية بصرية، لكن لازمها الرؤية القلبية بالتدبر.
وأما إذا تعدت بـ (إلى) فالمقصود بها الرؤية البصرية، كما قال الله تعالى: {وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ * إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ} [القيامة:٢٢ – ٢٣]، أي: يرون الله بأم أعينهم، فالرؤية بصرية، ولذلك قال الله تعالى: {انظُرُوا إِلَى ثَمَرِهِ إِذَا أَثْمَرَ وَيَنْعِهِ} [الأنعام:٩٩]، فهنا رؤية بالبصر، فإذا تعدت الرؤية بـ (إلى) فمعناها الرؤية البصرية.
قال الله تعالى: {أَفَلَمْ يَنْظُرُوا إِلَى السَّمَاءِ فَوْقَهُمْ كَيْفَ بَنَيْنَاهَا وَزَيَّنَّاهَا وَمَا لَهَا مِنْ فُرُوجٍ} [ق:٦] فهنا رؤية بصرية لكن لازمها التدبر لقول الله تعالى: ((كَيْفَ بَنَيْنَاهَا وَزَيَّنَّاهَا)).
وفي قوله تعالى: {وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ * إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ} [القيامة:٢٢ – ٢٣]، هذه الآية تثبت رؤية المؤمنين لربهم، رزقنا الله وإياكم ذلك في الجنة.
الوعي الروحي
فكشفنا عنك غطاءك فبصرك اليوم حديد
الحقيقة أن هذا الوعي الروحي الذي يقدر الشخصية الإنسانية ويحدد صلة هذه الشخصية بالروح السارية في هذا الكون ثم صلتها بسائر الأحياء والكائنات، نعم هذا الوعي هو الذي صقل النفوس المسلمة وهيأها لسائر الانقلابات الاجتماعية والعقلية لأنه وجهها وجهة واحدة وقضى على شعور الخضوع الرائن عليها فتنتج عن ذلك إحساس قوي بكفايتها وقدرتها على الفهم والتدبر.
ومن هنا ذلك الانقلاب العظيم الذي أحدثه الإسلام في تقدير العقل واحترام أحكامه باعتباره هادئ البشر – بعد الروح – في جهادهم نحو الكمال. فلقد كان الناس قبل ذلك أسرى موروثاتهم وتقاليدهم لا يصدقون إلا ما كان عليه آباؤهم، وما كان عليه آباؤهم هو الجهل والجمود، فدعاهم الإسلام إلى التفكير والتأمل وشبه الذين لا يعقلون منهم بالأنعام بل أحط منزلة (أم تحسب أن أكثرهم يسمعون أو يعقلون أن هم كالأنعام بل أضل سبيلاً)، ولذلك كان سلاح الإسلام الوحيد لغزو النفوس هو الحجة العقلية والبرهان الاقناعي. . . ويوم سال الكفار الرسول أن يأتيهم بما عددوا من المعجزات أجابهم دهشاً: (سبحان ربي هل كنت إلا بشراً رسولاً!).
أليس في ذلك إيذان بأن البشرية قد بلغت طوراً لا يليق بها فيه أن تقنع بغير ما يميله العقل، وان الإسلام يتمشى مع هذا العقل؟ ثم ما قولنا في دين يجعل تفكر ساعة خيراً من عبادة ستين سنة؟ إنه – وربي – لدين يجدر بالبشرية أن تحوطه برعايتها وتجد في تفهم أغراضه ومراميه، لأنه كان فاصلا بين عصرين مختلفين من عصورها: عصر السحر والخرافات وعصر العقل والعلم، وبذلك نقلها نقلة وسعت آفاق وعيها وألهبتها شوقاً للمعرفة والاطلاع، كان ذلك إرهاصا لكل التطورات الثقافية والعلمية التي نعم بها العالم بعد ذلك.
وعلى أساس هذا الوعي الروحي والعقلي نقل الإسلام مبدأ التوحيد من منطقة العقيدة إلى مجال الاجتماع فثار على جميع الفواصل المصطنعة بين الأفراد والأمم، وحارب كل فكرة من شانها أن تجر إلى التنابذ التنافر، وقرر أن البشر وحدة لا تتجزأ كلهم من آدم وآدم من تراب، وان أكرمهم عند الله اتقاهم، واتقاهم إبرهم عملاً وأخلصهم سعياً، لا أكثرهم تهجدا وأطولهم عبادة، وإذا كان الناس قد خلقواً شعوباً وقبائل مختلفة فلكي يتعارفوا ويتعاونوالتستفيد كل أمة من مواهب الأمم الأخرى وخصائصها لا أن يتخذوا هذا الاختلاف ذريعة للتناحر والتباغض (يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوبا وقبائل لتعارفوا أن أكرمكم عند الله اتقاكم). والأمم والأفراد يختلفون طبعا في استعدادهم للتقوى وللتعاون مع الغير باختلاف بيئتهم وظروف حياتهم.
الحساب يوم القيامة
فكشفنا عنك غطاءك فبصرك اليوم حديد
فَسَوْفَ يُحَاسَبُ حِسَابًا يَسِيرًا﴾ [الانشقاق ٨].
عن عائشة ﵂ قالت: قال رسول الله ﷺ: (من نوقش (٤) الحساب يوم القيامة عُذِّب (٥)، فقلت: أليس قال الله ﷿: ﴿فَسَوْفَ يُحَاسَبُ حِسَابًا يَسِيرًا﴾ [الانشقاق ٨]؟ فقال: (ليس ذلك بالحساب، إنما ذلك العرض، من نوقش الحساب يوم القيامة عُذِّب)، وفي لفظ: (هلك)
– حَدَّثَنَا أَحْمَدُ، نَا مُحَمَّدُ بْنُ بِشْرٍ الْمَرْثَدِيُّ، نَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ زَكَرِيَّا، عَنِ ابْنِ الْمُبَارَكِ، عَنْ مَعْمَرٍ، عَنْ يَحْيَى بْنِ الْمُخْتَارِ، عَنِ الْحَسَنِ؛ قَالَ: ⦗٣٧٥⦘ الْمُؤْمِنُ وَقَّافٌ عَلَى نَفْسِهِ، يُحَاسِبُ نَفْسَهُ لِلَّهِ، وَإِنَّمَا خَفَّ الْحِسَابُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَلَى قَوْمٍ حَاسَبُوا أَنْفُسَهُمْ فِي الدُّنْيَا، وَإِنَّمَا شَقَّ الْحِسَابُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَلَى أَقْوَامٍ أَخَذُوا هَذَا الأَمْرَ مِنْ غَيْرِ مَحَاسَبَةٍ، إِنَّ الْمُؤْمِنَ لا يَأْمَنُ شَيْئًا؛ حَتَّى يَلْقَى اللهَ تَبَارَكَ وَتَعَالَى، يَعْلَمُ أَنَّهُ مَأْخُوذٌ عَلَيْهِ فِي سَمْعِهِ وَبَصَرِهِ وَلِسَانِهِ وَفِي جَوَارِحِهِ، مَأْخُوذٌ عَلَيْهِ فِي ذَلِكَ كُلِّهِ.
الآيات القرآنية
فكشفنا عنك غطاءك فبصرك اليوم حديد
1. سورة الأنعام (آية 104):
“قد جاءكم بصائر من ربكم، فمن أبصر فلنفسه، ومن عمي فعليها.”
2. سورة البقرة (آية 18):
“صم بكم عمي فهم لا يرجعون.”
3. سورة الحشر (آية 24):
“هو الله الخالق البارئ المصور له الأسماء الحسنى، يسبح له ما في السموات والأرض وهو العزيز الحكيم.”
4. سورة الإسراء (آية 36):
“ولا تقف ما ليس لك به علم، إن السمع والبصر والفؤاد كل أولئك كان عنه مسؤولا.”
5. سورة النور (آية 35):
“الله نور السموات والأرض، مثل نوره كمشكاة فيها مصباح.”
الخلاصة
في ختام تأملاتنا حول آية “فكشفنا عنك غطاءك فبصرك اليوم حديد”، نجد أنها تحمل في طياتها دعوة للتفكر والتأمل في قدرة الإنسان على إدراك الحقائق العميقة. إن انكشاف الغطاء يعكس حالة من الوضوح والشفافية التي تمنحنا فرصة لرؤية الأمور على حقيقتها، مما يفرض علينا مسؤولية استخدام بصيرتنا في فهم العالم من حولنا. لذا، لنحرص على أن يكون بصرنا حديدًا، مستنيرًا بالعلم والإيمان، لنواجه التحديات ونستشرف المستقبل برؤية واضحة وثاقبة.
اقرأ أيضا: السر العميق للتشافي من الصدمات