google-site-verification=ki7U2nxrPUTCZ3EFncr8SrtusE1rq8sjCMYnSpP9oOY
موقع يهتم بالمرأة العربية وعواطفها وتحدياتها وأحلامها وشريك حياتها

حسن الخاتمة: علامةُ كسبِ الدارين (بإصلاحِ السريرةِ والفوزِ بالآخرة)

0 57

حقيقة حسن الخاتمة (ابن القيم الجوزية)

​يُبين الإمام ابن القيم أن الخاتمة ليست مجرد لحظة عابرة، بل هي مرآة لما عاش عليه الإنسان طوال حياته، فيقول:

​”إن الخاتمة السيئة لا تكون لمن استقام ظاهره وصلح باطنه، ما سُمع بهذا ولا عُلم به، وإنما تكون لمن له فساد في العقد، أو إصرار على الكبائر، أو إقدام على العظائم، فربما غلب عليه ذلك عند الموت قبل أن يتوب”.

 

​2. كيف يُكتب حسن الخاتمة؟ (الحافظ ابن رجب الحنبلي)

​يؤكد ابن رجب في كتابه القيّم جامع العلوم والحكم على الرابط الوثيق بين طاعة السر وحسن الخاتمة، فيقول:

​”خاتمة السوء تكون بسبب دَسِيسَةٍ بَاطِنَةٍ لِلْعَبْدِ لَا يَطَّلِعُ عَلَيْهَا النَّاسُ، إِمَّا مِنْ عَمَلٍ سَيِّئٍ وَنَحْوِهِ، فَتِلْكَ الْخَصْلَةُ الْخَفِيَّةُ تُوجِبُ سُوءَ الْخَاتِمَةِ عِنْدَ الْمَوْتِ. وَكَذَلِكَ قَدْ يَكُونُ لِلرَّجُلِ خَصْلَةٌ خَفِيَّةٌ مِنْ خَيْرٍ، فَتَغْلِبُ عَلَيْهِ عِنْدَ مَوْتِهِ، فَتُوجِبُ لَهُ حُسْنَ الْخَاتِمَةِ”.

 

​3. الخوف من السابقة والخاتمة (الإمام سفيان الثوري)

​كان سفيان الثوري -وهو أمير المؤمنين في الحديث- يشتد بكاؤه وخوفه من الخاتمة، فقيل له في ذلك، فقال كلمات تُكتب بماء الذهب:

​”أبكي من الخاتمة؛ أخاف أن أُسلب الإيمان عند الموت”.

وفي موضع آخر قال: “من تلمّح حلاوة العافية، هانت عليه مرارة الصبر، وإنما يبكي الباكون من خوف السوابق والخواتيم”.

 

​4. الموت على ما عشت عليه (الحافظ ابن كثير)

​يلخص الحافظ ابن كثير سُنة إلهية جارية في الخلق تُطمئن الطائعين وتقدم العظة للمقصرين، حيث قال في تفسيره:

​”لقد أجرى الله الكريم عادته بكرمه: أن من عاش على شيء مات عليه، ومن مات على شيء بُعث عليه”.

 

​مأثورات وجوامع كَلِم في الاستعداد للرحيل

  • الحسن البصري: “ما أطال عبد الأمل إلا أساء العمل، والمؤمن في الدنيا كالغريب لا يجزع من ذلها ولا ينافس في عزها، للناس حال وله حال”.
  • عبد الله بن مسعود (رضي الله عنه): “السعيد من وُعظ بغيره، والشقي من شقي في بطن أمه، والمؤمن لا يرى ذنبه إلا كأنه قاعد تحت جبل يخاف أن يقع عليه”.
  • عمر بن عبد العزيز: “إن الدنيا ليست بدار قراركم، كتب الله عليها الفناء، وكتب على أهلها منها الظعن (الرحيل)، فأحسنوا رحمكم الله منها الرحلة بأحسن ما بحضرتكم من النُّقلة”.

وجه الربط بين حسن الخاتمة وبين قوله ( ان يعلم الله في قلوبكم خيرا يؤتكم خيرا )

الرابط بين هذه الآية الكريمة {إِن يَعْلَمِ اللَّهُ فِي قُلُوبِكُمْ خَيْرًا يُؤْتِكُمْ خَيْرًا} وبين ما ذكرناه سابقاً عن حسن الخاتمة هو رابط وثيق وعميق جداً؛ فالآية تُمثّل “السبب والسر” الذي يوصِل الإنسان إلى تلك النتيجة المباركة.

​إليك كيف تتصل الآية بحسن الخاتمة من خلال ثلاثة روابط أساسية:

​1. صلاح السريرة هو بوابّة حسن الخاتمة

​أجمع العلماء (كما مرّ معنا في مقولة ابن رجب الحنبلي) على أن الخاتمة لا تأتي صدفة، بل هي ثمرة لما يوقر في القلب. فالله عز وجل يقول: {إِن يَعْلَمِ اللَّهُ فِي قُلُوبِكُمْ خَيْرًا}، فإذا اطلع الله على قلب العبد ووجد فيه خيراً (من صدق، وإخلاص، وحب للخير)، كان الجزاء من جنس العمل: {يُؤْتِكُمْ خَيْرًا}، وأعظم “الخير” الذي يؤتاه العبد في نهاية رحلته الدنيا هو التوفيق لنطق الشهادة والثبات عند الموت.

​2. “من عاش على شيء مات عليه”

​الآية تقرر قانوناً يمتد من الدنيا إلى لحظة الاحتضار.

  • ​إذا كان المفسرون قد ذكروا أن العباس رضي الله عنه عُوِّض بالمال والخدم في الدنيا، فإن اللفظ عام؛ والتعويض للمؤمن الذي يُصلح قلبه يكون بالثبات والطمأنينة في أصعب لحظات حياته (سكرات الموت).
  • ​الخير الذي يزرعه الإنسان في قلبه طوال حياته من مراقبة لله ويقين، يثمر طمأنينة وسلاماً نفسياً وثباتاً ينعكس على لسان الجسد وتصرفاته أثناء الاحتضار، فلا يزيغ ولا يفتن.

​3. الأمان من “دسائس السوء”

​خوف العلماء الأجلاء (كـ سفيان الثوري) من الخاتمة كان منشؤه الخوف من وجود شيء خفي في القلب يفسد العمل (دسيسة سوء). وتأتي هذه الآية لتكون بشارة وطمأنينة؛ فمن جاهد نفسه ليكون ما في قلبه خيراً خالصاً لله، فإن كرم الله يقتضي ألا يخذله عند الموت، بل يلطف به ويؤتيه خيراً في أشد أوقاته حاجة (وهي لحظة خروج الروح).

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.