رسالة أم
أبوك ماتَ مرّةً واحدة،
وأنا أموتُ كلَّ ليلةٍ على دفعات؛
يتسرّب منّي الصبرُ والقوّة والضوءُ القليل المتبقي لي.
يوم قلتَ لأبيك: “يا عجوز…”
نظر إليك طويلًا، كأنّه يبحث في ملامحك عن الطفل الذي كان يركض إليه كلَّ شتاءٍ ليحتمي به من البرد.
أتذكر؟
كيف كان يسبق الفجر إلى الماء، يختبر دفأه بكفّيه قبل أن يمسَّ قدميك الصغيرتين؟
وكيف كان يعود آخر النهار مثقلاً، ثم يبتسم لنا كأنّ التعب شيءٌ لا يليق بالآباء؟
حين قلتَها…
لم يغضب، ولم يرفع صوته.
فقط… انطفأت عيناه قليلًا.
ومنذ تلك الليلة، صار أقلَّ حضورًا في البيت… كأنّ شيئًا انسحب منه بصمت.
منذ ولدتَ يا ولدي، وأنا أحرسك، وأدوس على وجعي وجوعي لئلا تتوجع أو تجوع.
لكنّني لم أفكّر يومًا أنّ الأذى قد يأتي منك.
كنتُ أتحايل على مخاوفك الصغيرة لتنام في حضني…
فكبرتَ، وصار الخوفُ الذي هدهدتُه يسكن عظامي.
هذا البيت لم نبنه بالحجارة، بل بأعمارنا.
في كل زاويةٍ أثرٌ منك:
خربشاتك الصغيرة، وعصافيرك التي رسمتَها ذات يوم، كأنّها ما تزال تنتظر أن تطعمها يدك.
أقول:
“المهم أن يكبر الصغار، وسيعود الحُب.”
لكنّ الصغار كبروا سريعًا…
وجفَّ الحب.
صار أبوك يأكل بصمت، كأنّه يختلس نصيبه الضئيل من الحياة، ويطيل الوقوف عند العتبة كأنّه ينتظر أحدًا لا يأتي.
سألته مرّة:
“لماذا تقف هنا طويلًا؟”
تنهّد وقال:
“أشعر أنّني زائدٌ عن الحاجة.”
ثم رحل بهدوءٍ موجع…
وأخذ معه شيئًا من روحي، حتى صرتُ لا أعرف أيُّنا مات منّا، أنا أم هو.
بعد موته،
لم أبكِ الرحيل ذاته،
بكيت مقعده الفارغ، ومصحفه المفتوح على سورة الكهف، وسجادته التي ما تزال تحتفظ بأثر جبهته.
هناك أشياء لا يغادرها أصحابها… بل تظلُّ تنبض بهم.
ومنذ رحيله،
وأنا أرفع يديَّ كلَّ ليلةٍ للسماء، ثم أعيدهما خائبتين إلا من دعاءٍ واحد:
“اللهمَّ رُدَّ إليَّ ابني… أو خذني إليك.”
إن ناديتني يومًا: “أمي”…
فستسبق عبرتي خطوتي إليك.
وإن غبتُ عنك،
فلا تسأل عنّي العابرين؛
بل اسأل ربَّ العابرين كم رجوته أن يهديك ويُصلحك.
اقرأ أيضا: مواصفات الزوج الصالح