google-site-verification=ki7U2nxrPUTCZ3EFncr8SrtusE1rq8sjCMYnSpP9oOY
رحلة في عالم النفس والتطوير الذاتي والوعي، نقدم محتوى عربيًا يساعدك على فهم نفسك وتطوير حياتك

من العبرية إلى الدارجة المغربية: إعادة تقييم نموذج المدلاويالإملائي في ضوء إشكالات الشفافية الإملائية والتحديات التعليمية

العبرية
0 61

نقد الإملاء العربي واقتراح النموذج العبري

درس محمد المدلاوي اللغة العربية الدارجة المغربية (الدارجة) وبحث في خصائصها، وذهب إلى أنه لا ينبغي النظر إليها باعتبارها نظامًا لغويًا فوضويًا أو مشوهًا أو متدنيًا لا يرقى إلى مستوى “اللغة”، بل باعتبارها لغة منظمة ومنضبطة، شأنها في ذلك شأن أي لغة طبيعية أخرى (Elmedlaoui, 2019). كما دعا إلى تطوير نظام إملائي موحد للدارجة وتقنينه، بهدف تجاوز ما يعتبره عائقًا يتمثل في قصور النظام الكتابي المستعمل لتدوينها (scriptio defectiva).

في أبحاثه في اللسانيات السامية، يرى المدلاوي أن النظام الإملائي العربي يعاني من قصور بيداغوجي مهم، لكونه لا يمثّل، في صورته التقليدية، الحركات القصيرة في الكتابة. كما يذهب إلى أن العربية المعيارية تعتمد نظامًا كتابيًا (أو نظام أبجد) تمثّل فيه الغرافيمات أساسًا الصوامت، مما يترك على عاتق القارئ مهمة استنتاج المعلومات المتعلقة بالحركات اعتمادًا بدرجة كبيرة على معرفته الصرفية وعلى السياق  (Elmedlaoui, 2025).

انطلاقًا من هذا المنظور، يرى المدلاوي أن النهوض بالدارجة وتقنينها لا ينبغي أن يعتمدا على الخط العربي، باعتباره نظامًا كتابيًا يعاني من قصور في تمثيل الخصائص الفونولوجية والصرفية-التركيبية المميزة للدارجة (Elmedlaoui, 2025). ويضيف أنه إذا أُريد للدارجة المغربية أن تُقعَّد بوصفها لغة مكتوبة معيارية، فلا ينبغي لها أن تعتمد لا النظام الإملائي العربي التقليدي غير المشكول، ولا الخط اللاتيني. بل يقترح، من وجهة نظره، أن تتبنى الدارجة نظامًا إملائيًا مستلهَمًا من العبرية. ويستند المدلاوي إلى الإملاء العبري الحديث بوصفه مثالًا على كيفية معالجة إحدى اللغات السامية لإشكالية تمثيل الحركات. فهو يرى أن النظام الإملائي الحالي للدارجة، سواء اعتمد الخط العربي أو الخط الروماني، لا يميز بصورة كافية بين الحركات القصيرة والطويلة، ويقترح بدلًا منه نظامًا كتابيًا يوظف حروف المد (matres lectionis) على غرار العبرية، حيث تُستخدم حروف مثل الألف والواو  والياء لتمثيل الحركات (a, u, i)  (Elmedlaoui, 2025). 

يقدم المدلاوي العبرية الحديثة بوصفها مثالًا ناجحًا على توظيف حروف المد (matres lectionis)، حيث تؤدي صوامت مثل الواو (ڤاڤ ו) والياء ( يود י) وظيفة حروف تمثل الحركات الكاملة، وحيث تسمح الأعراف الإملائية الراسخة بتمثيل الحركات في الكتابة اليومية دون الحاجة إلى الاستخدام المكثف للعلامات الإعرابية أو الحركات (Elmedlaoui, 2025). غير أن هذا الطرح يحتاج إلى مزيد من الفحص، لأن الإملاء العبري، على الرغم من استخدامه لحروف المد، ليس نظامًا كتابيًا شفافًا بالكامل، ولا يزال يتضمن قدرًا معتبرًا من عدم الاتساق في تمثيل الحركات. فالعبرية الحديثة، شأنها شأن العربية، لا تستخدم عادةً الحركات في الكتابة اليومية. ويقتصر نظام ضبط الحركات العبري (nikkud) بدرجة كبيرة على السياقات التعليمية، والنصوص الدينية، والشعر، والمعاجم. ومع ذلك، لا تزال علامات النيّقود (الحركات) تُستخدم في بعض الحالات، رغم توظيف حروف مثل الواو (ו) والياء (י) لتمثيل الحركات الكاملة، وذلك عندما يكون من الضروري إزالة الغموض بين القراءات المحتملة. وانطلاقًا من هذا المنظور، لا تختلف العربية والعبرية اختلافًا جوهريًا في هذه المسألة، إذ إن كلتا اللغتين تحذفان عادةً علامات الحركات في الممارسة الكتابية المعيارية، وتعتمدان على الكفاءة اللغوية لدى القرّاء لإعادة بناء النطق المقصود اعتمادًا على المعرفة الصرفية والسياقية.

حدود النموذج العبري ومشكلة الشفافية الإملائية

يتمثل التطور الأساسي الذي قدمه الإملاء العبري، إذن، ليس في الإزالة الكاملة للغموض، وإنما في التطور التاريخي لاستخدام الحروف الصامتة، ولا سيما الواو (ڤاڤ ו) والياء ( يود י)، بوصفها حروفًا لتمثيل الحركات. كما ينبغي الإشارة إلى أن الألف (א) يظل، في المقام الأول، حرفًا صامتًا في العبرية، ولا يؤدي وظيفة حرف حركة منتظم بالطريقة نفسها. غير أن إدخال هذه العلامات الدالة على الحركات لا يحل بصورة تامة التحديات البيداغوجية التي يواجهها القرّاء، إذ إن الكلمات العبرية التي تتضمن حروف المد (matres lectionis)  قد تظل عرضة للغموض، وعدم الاتساق في تمثيل الحركات، والحاجة إلى المعرفة المعجمية لتحديد النطق الصحيح. وبناءً عليه، فعلى الرغم من أن الإملاء العبري يقدم حلًا تاريخيًا مثيرًا للاهتمام لإشكالية تمثيل الحركات، فإنه لا يشكل بالضرورة نموذجًا إملائيًا شفافًا بالكامل يمكن نقله بصورة مباشرة إلى الدارجة.

على الرغم من أن المدلاوي (2025) يقترح استخدام حروف المد (matres lectionis) المستلهمة من الإملاء العبري لتمثيل حركات الدارجة، فإن هذا النموذج يثير عددًا من الإشكالات. فالإملاء العبري ليس نظامًا كتابيًا شفافًا بصورة تامة، إذ إن استخدام الواو (ڤاڤ ו) والياء ( يود י) بوصفهما علامتين لتمثيل الحركات، وكذلك استخدام الألف (א)، يخضع لعوامل تاريخية، ولا يوفر دائمًا تطابقًا منتظمًا ومتوقعًا بين الغرافيمات والفونيمات. فعلى سبيل المثال، يُستخدم الألف في العبرية الحديثة اليومية دون النيقود (الحركات)، ويضطر القارئ أو متعلم العبرية إلى استنتاج نطقه اعتمادًا على السياق والمعرفة المعجمية؛ إذ يمكن أن يُنطق الألف /a/ كما في אבא (أب: abba)، أو  /e/ كما في אל  (إله: El)، أو /o/ كما في אוזן  (أذن: ozen)، أو /i/ كما في איש  (رجل: ish)، أو /uː/ كما في אומלל (بائس: umlal)، أو قد يكون صامتًا تمامًا كما في לא (لا: lo). وينطبق الأمر نفسه على الواو (ڤاڤ ו)، إذ يمكن أن يمثل حركة /u/ كما في סוס (حصان: sus)، أو حركة /o/ كما في טוב (جيد: tov)، أو صامتًا /v/ كما في ורד  (وردة: vered)، أو /w/ في بعض الأسماء والمقترضات مثل יהוה (Yahweh) و וואט  (watt).كما يواجه الياء العبري ( يود י) الإشكالات الإملائية نفسها؛ إذ يمكن أن يُنطق /y/ كما في ילד (ولد: yeled)، أو /i/ كما في חיים (حياة: khayim)، أو /ji/ كما في מים (ماء: mayim)، أو أن يمثل حركة طويلة /iː/ كما في עיר (مدينة: ir). وفيما يلي الكلمات العبرية المذكورة أعلاه مرفقةً بعلامات النيقود  (nikkud) التي توضح نطقها الدقيق:

אַבָּא (أب: abba)، אֵל (إله: El)، אֹזֶן (أذن: ozen)، אִישׁ (رجل: ish)، אֻמְלַל (بائس: umlal).

סוּס (حصان: sus)، טוֹב (جيد: tov)، וֶרֶד (وردة: vered)، יַהְוֶה (Yahweh)، וָואט (watt). 

יֶלֶד (ولد: yeled)، חַיִּים (حياة: khayim)، מַיִם (ماء: mayim)، עִיר (مدينة: ir).

انتقد المدلاوي استخدام الإملاء العربي، الذي يعتمد أساسًا على تمثيل الصوامت بواسطة الحروف، مما يترك للقرّاء مهمة استنتاج الحركات (harakat) أو العلامات الإعرابية اعتمادًا على السياق. ولذلك اقترح أن يُستفاد من النظام الإملائي العبري بوصفه نموذجًا بديلًا. غير أن العبرية هي أيضًا لغة يعتمد نظامها الكتابي أساسًا على تمثيل الصوامت، باستثناء الألف (א) والواو (ו) والياء (י)، التي يمكن أن تؤدي وظيفة علامات لتمثيل الحركات، لكنها لا تقود بالضرورة القارئ إلى النطق الدقيق للكلمة. وتستخدم العبرية نظام النيقود (nikkud)، وهو نظام من العلامات الصوتية الخاصة بالحركات يعادل الحركات العربية (harakat)، من أجل الإشارة إلى النطق الدقيق. غير أن استخدام النيقود يقتصر أساسًا على كونه أداة بيداغوجية خلال المراحل الأولى من تعليم العبرية، إضافة إلى بعض السياقات الخاصة التي يكون فيها إزالة الغموض في النطق أمرًا ضروريًا. وبعد اكتساب قدر كافٍ من الكفاءة اللغوية، يتوقف متعلمو العبرية عادةً عن الاعتماد على النيقود، ويعتمدون بدلًا من ذلك على الحفظ المعجمي، والأنماط الصرفية، والمعلومات السياقية لتحديد النطق المقصود.

توجد إشكالات إملائية أخرى مرتبطة بحروف أخرى، مثل الصامت الباء (بيت ב)، الذي يمثل بدوره إشكالية أوسع موجودة في حروف عبرية أخرى، من بينها الفاء (پي פ)، الكاف (كاف כ)، والشين (شين ש). فعلى سبيل المثال، يمكن أن يُنطق الصامت الباء (بيت ב) إما /b/ أو /v/. فعندما يأتي في بداية الكلمة، كما في בית (بيت: bayit)، يُنطق /b/، بينما يمكن أن يُنطق /v/ في بعض السياقات، كما في نهاية الكلمة في חלב  (حليب: khalav). وعندما يقع هذا الحرف في وسط الكلمة، فقد يختلف نطقه بين /b/ و/v/  تبعًا للصوت السابق له (Gesenius et al., 1910). وبناء عليه، يتعين على متعلمي العبرية اكتساب مجموعة إضافية من القواعد الإملائية والفونولوجية من أجل تحديد النطق الصحيح للكلمات المكتوبة. فعلى سبيل المثال، يُنطق الباء (بيت ב) بنطقه الرخو /v/  عندما يأتي بعد حركة صوتية، كما في זבוב (ذبابة: zvuv). وعلى العكس من ذلك، يحتفظ بنطقه الانفجاري المجهور /b/ عندما يأتي بعد صامت ساكن لا يحمل حركة، كما في מדבר (صحراء: midbar)، أو عندما يقتضي النمط الصرفي للكلمة تضعيف الصامت، كما في לדבֵּר (تحدث: ledaber). وتشير الداغيش (dagesh الشدّة)، وهي النقطة التي توضع داخل الحرف كما في בּ، تاريخيًا إلى تضعيف الصامت (gemination)، كما أنها تغير قاعدة النطق المتوقعة استنادًا إلى الحركة السابقة، فتؤدي إلى نطق الحرف بصوت /b/. لذلك، فعلى الرغم من وجود علامات الحركات واستخدام حروف المد (matres lectionis)، لا يزال الإملاء العبري يتطلب من المتعلمين إتقان قواعد إضافية واستثناءات متعددة من أجل التنبؤ الدقيق بالنطق انطلاقًا من الكتابة.

لتمثيل الصوت /b/ بوضوح في الكتابة، توضع نقطة صغيرة تسمى الداغيش (dagesh)  داخل الحرف בּ، كما هو موضح أعلاه. غير أن الصامت الباء (بيت ב) لا يكتب دائمًا مصحوبًا بالداغيش. ففي الإملاء العبري الحديث، يستخدم الداغيش عادةً عند توظيف نظام النيقود(nikkud)  الكامل (علامات الحركات)، ولا سيما في السياقات التعليمية والنصوص التي يُراد فيها جعل النطق واضحًا. أما في الكتابة العبرية الحديثة اليومية، التي تحذف في الغالب النيقود والداغيش، فيعتمد القارئ أساسًا على السياق اللغوي، والمعرفة المعجمية، والحروف الإضافية التي تؤدي وظيفة حروف للحركات (حروف المد matres lectionis) من أجل استنتاج النطق المقصود. فعلى سبيل المثال، فإن الكلمتين מדבר بمعنى “صحراء” وמדבר بمعنى “يتحدث” لا يكون من السهل تحديد نطقهما بدقة في غياب النيقود والداغيش، كما يتضح فيما يلي:

מדבר <  מִדבָּר  <   midbar (صحراء).

מדבר  <  מְדבֵּר <   medaber (يتحدث).

على الرغم من بعض القواعد الإملائية المشار إليها أعلاه، توجد في العبرية استثناءات مهمة لا يمكن فيها التنبؤ بنطق الكلمة بدقة اعتمادًا على قواعد الإملاء المعيارية وحدها، بل يتعين على المتعلم حفظها واكتسابها بوصفها وحدات معجمية. فعلى سبيل المثال، تحتوي كلمة גלובלי (عالمي: globali) على أنماط إملائية لا يمكن تحديد نطقها بصورة كاملة انطلاقًا من شكلها الكتابي وحده دون امتلاك معرفة معجمية سابقة. ولهذه القواعد الإملائية والاستثناءات المرتبطة بها دلالات بيداغوجية مهمة، إذ تثير تساؤلات حول مدى ملاءمة اعتماد المبادئ الإملائية العبرية نموذجًا لكتابة الدارجة المغربية.

تيفيناغ والبدائل الإملائية الممكنة للدارجة المغربية

على الرغم من أن المدلاوي (2025) اقترح استخدام حروف المد (matres lectionis) المستلهمة من الإملاء العبري لتمثيل حركات الدارجة المغربية، فإن هذا الاقتراح يثير عددًا من الإشكالات الإملائية. فالإملاء العبري يعاني من مجموعة من المشكلات المتعلقة بالشفافية والاتساق، وهي مشكلات لا تقتصر على الأمثلة المشار إليها أعلاه، مما يثير إشكالاً حول مدى ملاءمته بوصفه نموذجًا إملائيًا يمكن الاسترشاد به في صياغة  أو بناء أنظمة كتابية للغات أخرى. كما أن استخدام الواو (ڤاڤ ו) والياء ( يود י) بوصفهما علامتين لتمثيل الحركات هو استخدام مشروط تاريخيًا، ولا يؤدي دائمًا إلى إقامة علاقة منتظمة ومتوقعة بين الغرافيمات والفونيمات. وعليه، فإن وجود علامات لتمثيل الحركات في العبرية لا يجعل منها بالضرورة نظامًا كتابيًا مثاليًا للدارجة، ولا سيما عند مراعاة اعتبارات مثل الشفافية الإملائية، وسهولة الولوج، والفعالية البيداغوجية. وفي هذا الصدد، يبدو أن محاولة المدلاوي استلهام دروس من الإملاء العبري من أجل تطوير إملاء خاص بالدارجة المغربية تغفل مختلف التحديات الكامنة في النظام العبري نفسه.

يمكن العثور على نموذج أكثر ملاءمة في تيفيناغ، وهو نظام كتابي خضع لعمليات حديثة من التقنين والمعيرة، تقوم على مبدأ الشفافية الفونولوجية والسعي إلى تحقيق توافق وثيق بين الغرافيمات والفونيمات. ففي التنويعات الأمازيغية بالمغرب، يستطيع القرّاء التنبؤ بالنطق بدقة انطلاقًا من الكتابة، لأن النظام يعتمد على علاقة منتظمة وشفافة بين الرموز والأصوات. غير أن هذه الشفافية لا ينبغي تفسيرها بوصفها دليلًا على “عبقرية” لغوية متأصلة في النظام الكتابي، بل بوصفها نتيجة متوقعة لممارسات التقنين الحديثة التي تعطي الأولوية لقابلية الاستخدام، والاتساق، والوضوح البيداغوجي. ومن الحلول الممكنة الأخرى بالنسبة إلى الدارجة المغربية اعتماد أبجدية لاتينية مكيّفة فونولوجيًا، كما هو الحال في لغات مثل اللغة الإندونيسية، التي توفر درجة عالية من الشفافية الإملائية وتطرح تحديات بيداغوجية أقل مقارنةً بنظام يستند إلى مبادئ إملائية مستوحاة من العبرية.

المراجع

المدلاوي، محمد. (2019. (العربية الدارجة: إملائية ونحو: الأصوات، الصرف، التركيب، المعجم (كتاب محرر بعربية مغربية وسطى. (مركز تنمية الدارجة.

Elmedlaoui, M. (2025). Le Darija: questions sur son orthographie et sur les finalités de l’écrire. Études et Documents Berbères, 53(1). 183-192. https://doi.org/10.3917/edb.053.0183 

 

Gesenius, W., Kautzsch, E., & Cowley, A. E. (1910). Gesenius’ Hebrew Grammar (2nd English ed.). Clarendon Press.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.